القاضي عبد الجبار الهمذاني
122
المغني في أبواب التوحيد والعدل
وبعد فقد « 1 » صار بالدليل أنه يقبح في نفس العبد المتمكن من الصلاح والفساد أن يختار دواعي الفساد ويجتلبها ويتكلفها ؛ بل الواجب عليه بذل الجهد في التحرز منها . فكذلك يجب أن يقبح من المكلف أن تفعل به دواعي الفساد وما يصرفه عن المضي على سنن الصلاح . يستدل على ذلك ويبين ذلك أن المكلف قد يضمن بالتكليف أن تدبّره فيما أراده منه « 2 » من الطاعة التي عرضه بالتكليف لفعلها وعرضه بفعلها للثواب على أحسن وجه يمكن أن يدبر عليه . فيجب أن يكون نظره له في ذلك نظر العبد لنفسه فيما يختاره لها . فكما أنه يقبح منه أن يختار دواعي الفساد ويتطلبها ، بل يجب عليه أن يتحرر منها ؛ فكذلك يقبح من المكلف أن يفعل به الأمور الداعية إلى اختيار المعاصي ، لما في ذلك من صرفه عن الصلاح إلى الفساد . فإن قيل : أليس المكلّف نفسه قد يقبح منه اختيار الكفر ، ولم يقبح منه تعالى أن يكلفه مع علمه بأنه يختاره ؛ فقد فرقتم بين الأمرين . قيل له : إن مرادنا فيما تقدّم أن الفعلين المثلين لو صح وقوع أحدهما من اللّه تعالى على الوجه الّذي يقع عليه الآخر من العبد - والغرض واحد - ثم قبح ذلك من العبد ، فيجب أن يقبح منه تعالى . فأما إذا كان الفعلان مختلفين والغرض منهما مختلفا « 3 » ، فالذي ذكرناه لا يصح فيه . وهو تعالى إنما يمكن من يعلم أنه يكفر ؛ وليس التمكين من نفس الكفر بسبيل . فلا يمتنع أن يقبح من المكلف أن يختار الكفر ، ويحسن منه تعالى أن يمكنه منه .
--> ( 1 ) في الأصل : « فالذي قد » . ( 2 ) أي من المكلف . ( 3 ) في الأصل : « مختلف » .